جلال الدين السيوطي
76
الإتقان في علوم القرآن
الكلم » « 1 » . وقال الطيبيّ في « التبيان » : الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام : أحدها : إيجاز القصر : وهو أن يقصر اللفظ على معناه ، كقوله : إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ إلى قوله : وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [ النمل : 30 ، 31 ] . جمع في أحرف العنوان والكتاب والحاجة . وقيل في وصف بليغ : كانت ألفاظه قوالب معناه . قلت : وهذا رأي من يدخل المساواة في الإيجاز . الثاني : إيجاز التقدير : وهو أن يقدّر معنى زائدا على المنطوق ، ويسمّى بالتضييق أيضا ، وبه سمّاه بدر الدّين بن مالك في « المصباح » ، لأنّه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه ، نحو : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ [ البقرة : 275 ] أي : خطاياه غفرت ، فهي له لا عليه . هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] أي : للضّالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى . الثالث : الإيجاز الجامع : وهو أن يحتوي اللفظ على معان متعدّدة ، نحو : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [ النحل : 90 ] الآية ؛ فإنّ العدل : هو الصراط المستقيم ، المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ، المومى به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق والعبودية . والإحسان : هو الإخلاص في واجبات العبودية ، لتفسيره في الحديث بقوله : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه » « 2 » أي : تعبده مخلصا في نيّتك ، وواقفا في الخضوع ، آخذا أهبة الحذر . . . إلى ما لا يحصى . وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى هو الزّيادة على الواجب من النوافل . هذا في الأوامر . وأمّا النواهي : فبالفحشاء : الإشارة إلى القوة الشهوانية ، وبالمنكر : إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية أو كل محرّم شرعا ، وبالبغي : إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية . قلت : ولهذا قال ابن مسعود : ما في القرآن آية أجمع للخير والشرّ من هذه الآية ؛
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2977 - 6998 - 7013 - 7273 ) ، ومسلم ( 523 ) ، والنسائي 6 / 3 - 4 ، وأحمد 2 / 264 - 268 - 314 - 455 - 501 - 502 ، وابن حبان ( 6363 ) ، والبيهقي في الدلائل 5 / 145 - 470 - 471 ، وفي السنن 7 / 48 ، وفي شعب الإيمان 1 / 161 ، والبغوي ( 3618 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 8 ) ، وأبو داود ( 4695 - 4696 - 4697 ) ، والترمذي ( 2610 ) ، والنسائي 8 / 97 - 101 ، وابن ماجة ( 63 ) ، والبخاري في خلق أفعال العباد ص 37 - 38 ، والدارقطني 2 / 282 - 283 ، وابن حبان ( 16 ) موارد . وانظر تفصيل طرقه وتخريجه في تخريجنا لسنن ابن ماجة .